في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها سوريا بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، يبرز الصحفيون كأحد أبرز أبطال هذه المرحلة الانتقالية، حيث يسعون لإعادة بناء إعلام مستقل يعكس صوت الشعب ويحقق الشفافية.
دراسة حديثة أجرتها مجموعة بحثية مستقلة لصالح مؤسسة البيت السوري للتنمية والتمكين المجتمعي تحت عنوان “من الصراع إلى الحرية: الاحتياجات المهنية للصحفيين السوريين في المرحلة الانتقالية”، تسلط الضوء على الاحتياجات المهنية الملحة لهؤلاء الصحفيين داخل البلاد وفي الشتات، وسط تحديات أمنية واقتصادية مستمرة.
الدراسة التي اعتمدت على استبيان لـ 100 صحفي وصحفية من داخل سوريا وخارجها تكشف أن 67% من الصحفيين يشعرون بعدم الأمان، بينما يفتقر 49% إلى تدريب مهني أساسي، ويعاني 85% من نقص الدعم النفسي، وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تعكس واقعا يتطلب تدخلات فورية لدعم حرية الصحافة في سوريا الجديدة.
تبدأ الدراسة بسياق تاريخي يعود إلى الثورة السورية في 2011، حيث تعرض الصحفيون لانتهاكات جسيمة، بما في ذلك قتل أكثر من 700 صحفي كما وثقت منظمة مراسلون بلا حدود (RSF)، واليوم في عام 2025، يعود الكثيرون من المنفى إلى الوطن، لكنهم يواجهون تحديات جديدة مثل انتشار الشائعات والنقص في التمويل.
وتهدف الدراسة إلى تحديد هذه الاحتياجات من خلال أهداف واضحة تتلخص باستكشاف الفجوات التدريبية مثل استخدام الأدوات الرقمية لمواجهة الشائعات، وتقييم التحديات الأمنية والاقتصادية، واقتراح حلول عملية لتعزيز حرية الصحافة.
واعتمدت المنهجية نهجا مختلطا يجمع بين استبيانات كمية ومقابلات كيفية، مع تحليل تقارير دولية، وقد كشفت نتائج الاستبيان عن حاجة ماسة لتدريب رقمي بنسبة 30.7%، وأمني بنسبة 25.7%، فيما يعاني 52.3% من نقص الدعم المؤسسي.
ومن أبرز النتائج الحاجة إلى تطوير مهارات الصحافة الرقمية والاستقصائية لمواكبة التطورات، حيث يفتقر 49% إلى تدريب كافٍ، أما الأمن فيظل التحدي الأكبر مع 67% من الصحفيين المستطلعين يشعرون بعدم الأمان، وسط اعتداءات مستمرة، فيما يعاني أيضا الدعم المؤسسي من مشكلات إذ يعمل 52.3% بشكل مستقل دون دعم، مع نقص تمويل يصل إلى 40%، بينما يعاني 50% من الصحفيين المستطلعين من إجهاد نفسي دون وصول إلى خدمات بنسبة 85%.
التحديات تتجاوز ذلك إلى قيود قانونية موروثة تواجه 61%، مع استمرار الاعتقالات في إدلب كما أفادت منظمة العفو الدولية، وتحديات أمنية تشمل مراقبة رقمية بنسبة 34.7%، ونقص الموارد الذي يعيق الاستمرارية، مع تمويل الاستجابة الإنسانية بنسبة 12.5% فقط حسب الأمم المتحدة، والوصول إلى المعلومات يعاني من رقابة وديسينفورميشن.
وتوزعت توصيات الدراسة على أصحاب المصلحة حيث أوصت الحكومة الانتقالية إلى إجراء إصلاحات قانونية وصناديق تمويل لسد نقص الدعم، ودعت المنظمات الدولية إلى دعم برامج تدريب ودعم نفسي، وحثت الرابطات المحلية على إنشاء شبكات الدعم، فيما أوصت الصحفيين بالعمل على التطوير الذاتي لمهنتهم.
وقال مسؤولو مؤسسة البيت السوري أن دعم الصحفيين في سوريا فرصة لبناء سوريا ديمقراطية، مشيرين إلى أن تنفيذ توصيات الدراسة يعد أمرا حاسما لمستقبل الصحافة في البلاد.




